الشيخ محمد رشيد رضا
355
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 31 ) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؟ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ؟ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ، فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ * ( 32 ) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ، فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 33 ) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * * * هذا نوع آخر من أسلوب إقامة الحجج على المشركين في إثبات التوحيد والبعث وهو أسلوب السؤال والجواب ، ويليه اثبات النبوة والرسالة والقرآن قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ اي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المعاندين من أهل مكة : من يرزقكم من السماء بما ينزله من المطر ، ومن الأرض بما ينبته فيها من أنواع النبات نجمه وشجره مما تأكلون وتأكل أنعامكم ؟ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ بل قل لهم أيضا من يملك ما تتمتعون به أنتم وغيركم من حواس السمع والابصار التي لولاها لم تكونوا تعلمون من أمر العالم شيئا ، بل تكون الانعام والحشرات وكذا الشجر خيرا منكم باستغنائها عمن يقوم بضرورات معاشها ، من يملك خلق هذه الحواس وهبتها للناس ، وحفظها من الآفات ؟ وخص هاتين الحاستين بالذكر لان عليهما مدار الحياة الحيوانية وكمال البشرية ، وتحصيل العلوم الأولية ، يشعر بذلك المسؤولون بمجرد إلقاء السؤال ، وكلما ازدادوا فيه تفكرا ازدادوا علما وإعجابا وإكبارا لانعام اللّه تعالى بهما ، وإيمانا بأنه لا يقدر غيره عليهما ، ولا سيما إدراك الكلام بحاسة السمع ، وما يرسمه صوت المتكلم في الهواء من معلوماته التي يدلي بها إلى غيره ، فتتكيف بها كل ذرة من ذراته ( أي الهواء ) فتقرع به طبلة كل أذن من آذان السامعين وإن كثروا ،